جي بي إس الخلايا.. الكروموسومات تتموضع وفقا للوظيفة

اكتشف العلماء وجود نظام تموضع للكروموسومات (الصبغيات) يشبه نظام التموضع العالمي “جي بي إس” المعروف حاليا، وهو نظام الملاحة عبر الأقمار الاصطناعية يقوم بتوفير معلومات عن الموقع والتوقيت في أي مكان بالأرض، ويوفر قدرات مهمة للمستخدمين في جميع أنحاء العالم.

قام فريق بحث من جامعة بازل السويسرية، بالتعاون مع علماء من جامعة هارفارد الأميركية، بتطوير طريقة جديدة لتتبع الكروموسومات في الخلايا الفردية للربداء الرشيقة، وهي أحد أنواع الديدان الأسطوانية الشفافة التي تعيش في بيئة التربة الرطبة.

وبهذه الطريقة أثبتوا أن الكروموسومات تعيد تنظيم نمو الجنين، وقد نشرت نتائج هذه الدراسة مؤخرا في دورية الخلية الجزيئية يوم 26 فبراير/شباط الجاري.

الترتيب المكاني للكروموسومات
يتكون جسمنا من مجموعة واسعة من الخلايا ذات الوظائف المتنوعة. وبغض النظر عن كونها خلايا قلب أو كبد أو أعصاب، فإنها تحتوي جميعها على نفس المعلومات الوراثية.

وإذا امتدت جميع جزيئات الحمض النووي للخلية الواحدة فسيصل طولها إلى مترين، لذلك يجب أن يكون الحمض النووي معبأ بشكل كثيف ليناسب نواة الخلية التي لا يتجاوز حجمها بضعة ميكرومترات.

خيوط الحمض النووي ملتفة بإحكام وملتوية لتشكيل بنى موفرة للمساحة، تسمى الكروموسومات، وتحدد طريقة التعبئة والتغليف وترتيب الحمض النووي للكروموسومات داخل النواة نشاط الجينات.

السبب وراء تطور الخلايا -بشكل مختلف في الوظيفة والتركيب- أنه تتم قراءة أجزاء فقط من الكروموسومات، وينتج عن هذا أن تكون بعض الجينات نشطة في حين تكون بعض الجينات الأخرى صامتة.

وبالنسبة لتنشيط الجينات، تلعب الدور الحاسم كل من الطريقة التي تتم بها تعبئة الجينات وكذلك تنظيمها المكاني في نواة الخلية، ويلعب الترتيب المكاني للمادة الوراثية داخل نواة الخلية دورا مهما في تطور الكائن الحي.

تتبع الكروموسومات الفردية
في دراستهم، قام الباحثون بقيادة البروفيسورة سوزان مانغو في بيوزينتروم بجامعة بازل بتتبع الكروموسومات الفردية في الديدان الخيطية، واستقصوا تنظيمها خلال التطور الجنيني المبكر.

قام فريق مانغو بالتحقيق في البنية ثلاثية الأبعاد عن كثب، وباستخدام تقنية جديدة، وتمكنوا من تتبع الكروموسومات الفردية أثناء التطور الجنيني، وإظهار أنها تعيد ترتيب نفسها خلال هذه المرحلة المبكرة.

تقول مانغو لصفحة الأخبار بموقع جامعة بازل السويسرية “باستخدام تقنية جديدة، تمكنا من تتبع إعادة الترتيب المكاني للكروموسومات في خلايا وحيدة في بداية التولد الجنيني.. ميزة هذه الطريقة أن الخلايا والأنسجة تبقى سليمة تماما”.

خصائص وظيفية
من المعروف جيدا أن مناطق الكروموسوم ذات الخصائص الوظيفية المتشابهة تتصل ببعضها البعض وتتفاعل. وهذا يعني أن نطاقات الكروموسومات مفصولة إلى قسمين، نشط وغير نشط.

تقول أهلية ساوه المؤلفة الرئيسية للدراسة لصفحة الأخبار بموقع جامعة بازل السويسرية “خلال مرحلة التطور الجنيني المبكر، يتم تنظيم الكروموسومات بشكل مختلف”.

وتضيف “في الجنين المبكر، يتم تنظيمها في بنية غير تقليدية تشبه الثقالة (ثقل الحديد) مع أجزاء غير نشطة مفصولة عن منطقة مركزية نشطة”.

اكتشف الباحثون أن الصفيحة النووية (شبكة البروتين التي تبطن السطح الداخلي لنواة الخلية) ضرورية لتحقيق هذا الترتيب للثقالة، ويتم ربط الصفيحة النووية بأقسام غير نشطة وتمتد للكروموسوم.

إعادة تنظيم الكروموسومات
تقول مانغو “في مرحلة لاحقة من التطور الجنيني، عندما تتطور طبقات الخلايا الجنسية الجرثومية، نرى في الواقع الفصل المعروف في مناطق نشطة وغير نشطة”.

وتضيف “عن طريق استخدام تتبع الصبغيات، تمكنا من رسم خريطة للكروموسوم ثلاثية الأبعاد بالكامل، ويمكننا أن نظهر لأول مرة أن الكروموسومات تعيد ترتيبها أثناء النمو والتطور المبكر، وهي عملية نضج تتطلب الصفيحة النووية”.

بنية الكروموسومات الصحيحة ضرورية لمنع اضطرابات النمو، ويرافق عملية إعادة تنظيم الكروموسومات نمو ونضوج الخلية، مما يمثل علامة فارقة في تطور الكائن الحي معقد التركيب.

وبالطبع يمكن تطبيق نتائج هذه الدراسات الحديثة على مراحل تطور الأجنة البشرية لدراسة إضرابات النمو والأمراض الوراثية أثناء تطور الجنين، وتطوير وسائل تشخصية وعلاجات لهذه الأمراض.