آل سعود ..قصة الإلحاد والظلم في الحرم

2020
‏موقع الدائرة التربوية  أنصار الله || مقالات || القاضي/عبدالوهاب المحبشي
منذ بناء الكعبة شرفها الله على يد نبي الله إبراهيم وابنه إسماعيل عليهما السلام، كما ورد في القرآن الكريم: (أَنْ طَهِّرَا بَيْتِيَ للطَّائِفِيْنَ وَالْعَاكِفِيْنَ وَالرُّكَّعِ السُّجُوْد)، (وَإِذْ جَعَلْنَا البَيْتَ مَثَابَةً للنَّاسِ وَأمْنًا)، فرض في كتابه الكريم كثيراً من الأحكام حول قداسة الكعبة والحرم المكي وأبعد من محيط مكة نفسها، وكذلك أعطى الدين الإلهي حرمة كبيرة للحاج الذي يتجه إلى الكعبة بيت الله للحج، وتناقلت الأجيال في الجاهلية حوالي ثلاثة آلاف سنة بين إبراهيم ومحمد صلى الله عليهما وآلهما وسلم، تناقلت تلك الأجيال رغم جاهليتها حرمة الحرم ومن يَؤُمُّ هذا الحرم..
وبالنسبة للحرم فقد حرّم الله الصيد وقطع الأشجار والقتال في الحرم إلا دفاعاً، وحرم الإخافة وأحكام كثيرة في هذا السياق مفصَّلة في كتب الفقه، كما جعل للحجيج حرمة ولو لم يكن إلا أن يأمر الله أنبياءه الأكرمين بخدمتهم. وتحريم صد الناس عن الحرم، وقوله تعالى: (وَمَنْ دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا)، وقوله: (وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبُهُم الله وَهُمْ يَصُدُّوْنَ عَنِ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ وَمَا كَانُوا أَوْلِيَاءَهُ إِنْ أَوْلِيَاؤُهُ إِلَّا الْمُتَّقُوْنْ)، وقوله تعالى: (وَيَصُدًّوْنَ عَنْ سَبِيْلِ اللهِ وَعَنِ المَسْجِدِ الْحَرَامِ الَّذِيْ جَعَلْنَاه للنَّاسِ سَوَآءً العَاكِفُ فِيْهِ وَالْبَاد)، ثم يقول سبحانه وتعالى: (وَمَنْ يُرِدْ فِيْهِ بِإِلْحَادٍ بِظُلْمٍ نُذِقْهُ مِنْ عَذَابٍ أَلِيْمٍ)، وهكذا فإن مكانة الكعبة وعظيم قدر المسجد الحرام جعل النبي صلى الله عليه وآله وسلم يقول “إن مكة حرمها الله ولم يحرمها الناس، لا يحل لامرئ يؤمن بالله واليوم الآخر أن يسفك دماً ولا يعضد بها شجراً، فإن أحد ترخص لقتال رسول الله فيها فقولوا له: إن الله أذن لرسوله ولم يأذن لكم” [البخاري: 4295 ]، وحرمة الحرم والمسجد الحرام والحجيج من المعلوم أنه من الدين بالضرورة.
انتهاك حرمة الحرم.. لمحة موجزة تاريخياً
بقيت للحرم والمسجد الحرام حرمة، وللحجيج حرمتهم في جاهلية العرب، حتى جاء الإسلام، ومن أبلغ الآيات والعبر قصة الفيل الذي قصد في ظاهر الأمر هدم الكعبة، وفي باطنه السيطرة على مكة للقضاء على الإسلام في مهده،: لعلمهم بقرب مولد النبي صلى الله عليه وآله وسلم في ذلك العام، فكان من الآيات أن الله أرسل طيراً أبابيل على جيش أبرهة وفيلته، وكان عبدالمطلب يعبِّر عن إيمانه حين قال لأبرهة (أنا رب إبلي وإن للبيت رباً سيحميه)، ثم أخرج مشركي قريش منها إلى الجبال، وتعلَّق بأستار الكعبة مناجيًا الله سبحانه وتعالى:
يا رب إن المرء يمنع رحله فامنع رحالك
لا يغلبن صليبهم ومحالهم أبدًا محالك
إن كنت تاركهم وقبلتنا فأمر ما بدا لك
وهي تشهد لعبدالمطلب بالتوحيد مع ما تجلى من الآيات..
ثم بالجملة كل ذلك يعطي فكرة عن عظيم مكانة مكة عند العرب، وقداسة المسجد الحرام، وحمايته، وإكرام الحجيج، وزاد الله الكعبة والمسجد الحرام تعظيماً بعد الإسلام، فلم تنتهك للحرم حرمة حتى حكمِ بنو أمية، وأرسل معاوية بسر بن أرطأة، فسفك دماء الناس في الحجاز واليمن، وأخاف الحجيج، ثم حين استهدف يزيد بن معاوية الحسين عليه السلام في مكة، اضطر الحسين عليه السلام أن يخرج من مكة لعلمه أنهم يبغون قتله غيلة، أثناء الحج، وقال: والله لن أكون أول مسلم تهتك به حرمة الحرم ، أو كما قال.. ثم كانت عادة بني أمية استباحة حرمة الحرم مرةً بعد مرة، فهاجمتها جيوش يزيد بن معاوية سنة 64هـ وكانوا يرمون الكعبة بقذائف المنجنيق مطلية بالزيت، وقد أشعلت فيها النيران حتى احترقت.
فلما هلك يزيد خلال حصار مكة وتوطد أمر ابن الزبير في مكة أعاد بناءها، لكن الجيش الأموي عاد بعد سبع سنين فقاموا بغزو مكة وحاصروها بقيادة الحجاج بن يوسف، ورموها بالمنجنيق حتى احترقت..
تلك الأحداث كانت حُجَّة على أمة الإسلام حين يتجلى حجم انحراف أي حكم في ممارساته التي تصطدم بما لا يختلف عليه اثنان من قيم الإسلام الكبرى التي تعتبر معلومة من الدين بالضرورة، وذلك لأن الحاكم المفسد والمنحرف لا يلبث أن يفضحه الله ويفتتنه ليعلم الناس، ولن يعلم الناس إلا حين تهتك حرمات الله على مستوى قبيح ومقزز وصورة مفضوحة، كي لا يلتبس الحق بالباطل، ولكن الأمة كانت تستكين بعد وضوح إجرام حكامها وبعدهم عن الدين، فيسلطون عليها وتكون المآلات سيئة في الدنيا والدين.
آل سعود